الشيخ محمد هادي معرفة
20
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
هو السبب الأقوى لوقوع التشابه في تعبيرات القرآن بالذات ، كما مرّ من مسألة الأمر بين الأمرين ، وغيرها من مسائل كلامية غامضة تبحث عن شؤون المبدأ تعالى والمعاد ، ومسائل شؤون الخليقة وما انطوت عليه من أسرار وغوامض خافية على غالبية الناس . مثلًا قوله تعالى : « وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً » « 1 » تعبير رمزي عن شأن الإنسان - بصورة عامّة - في الأرض ، إنّه ذلك الموجود العجيب ، الذي يملك في ذاته قدرة جبّارة يضيق عنها الفضاء ، وتخضع لها قوى الأرض والسماء « وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً » « 2 » كلّ ذلك بفضل نبوغه واستعداده الخارق الذي يمنحه القدرة على الخلق والإبداع ، على أثر تفكيره وجهاده في الوصول إلى درجة الكمال ، وليتمثل مظهريته تعالى ، فهو الموجود النموذجي لمظهرية ذي الجلال والإكرام ، ومن ثمّ كان خليفته في الأرض يومذاك ليصبح خليفته في عالم الوجود إطلاقا . لم تكن العرب تستطيع إدراك هكذا تصوّر عن الإنسان ، ولا كان يخطر ببالها أنّ لهذا الإنسان شأنا في عالم الوجود ، سوى أنّه الموجود الضعيف الذي تتألّب عليه الضواري ، ولا يقتات إلّا على لحوم بني جلدته سلبا ونهبا وإراقة للدماء والفساد في الأرض . ومن ثمّ لمّا جاء التعبير عن شأن آدم بهكذا تعبير ، ينمّ عن عظمة وإكبار ، حسبوه « المتصرّف في الأرض » عن جانب اللّه القابع في زاوية السماء ! أو فسّروه - كما في عصر متأخّر - بأنّه الخلف عن مخلوق كان قبل آدم ، الجن أو النسناس . وهكذا الانجذاب بالآية يمنة ويسرة ، ما دام لم يعرفوا من حقيقة الإنسان ، ولا أدركوا من شأنه الخطير . وهكذا جاء التعبير المجازي في آيتين لا تختلفان من حيث الأداء والتعبير ، غير أنّ إحداهما لمّا كانت تعبّر عن معنى هو فوق مستوى العامّة ، حصل فيها التشابه ، أمّا الأخرى فكانت تعبيرا عن معنى محسوس ، ومن ثمّ لم يقع فيها إشكال . فقوله تعالى : « إِلى رَبِّها
--> ( 1 ) - البقرة 30 : 2 . ( 2 ) - الجاثية 13 : 45 .